فصل: تفسير الآية رقم (19)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الألوسي المسمى بـ «روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني» ***


تفسير الآية رقم ‏[‏7‏]‏

‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ‏(‏7‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ‏}‏ مقدر بأذكر على أنه مفعول لا ظرف لفساد المعنى، وهو معطوف على ما قبله عطف القصة على القصة أو على مقدر كخذ هذا، وجوز أن يكون ذلك عطفاً على خبر ‏{‏كان‏}‏ وهو بعيد وإن كان قريباً، ولما كان ما سبق متضمناً أحكاماً شرعها الله تعالى وكان فيها أشياء مما كان في الجاهلية وأشياء مما كان في الإسلام أبطلت ونسخت اتبعه سبحانه بما فيه حث على التبليغ فقال عز وجل‏:‏ ‏{‏وَإِذْ‏}‏ الخ أي واذكر وقت أخذنا من النبيين كافة عهودهم بتبليغ الرسالة والشرائع والدعاء إلى الدين الحق وذلك على ما قال الزجاج وغيره وقت استخراج البشر من صلب آدم عليه السلام كالذر، وأخرج ابن جرير‏.‏ وابن أبي حاتم عن قتادة أنه سبحانه أخذ من النبيين عهودهم بتصديق بعضهم بعضاً واتباع بعضهم بعضاً، وفي رواية أخرى عنه أنه أخذ الله تعالى ميثاقهم بتصديق بعضهم بعضاً والإعلان بأن محمداً رسول الله وإعلان رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نبي بعده ‏{‏وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وإبراهيم وموسى وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ‏}‏ تخصيصهم بالذكر مع اندراجهم في النبيين اندراجاً بيناً للإيذان بمزيد مزيتهم وفضلهم وكونهم من مشاهير أرباب الشرائع‏.‏

واشتهر أنهم هم أولو العزم من الرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين وأخرج البزار عن أبي هريرة أنهم خيار ولد آدم عليهم الصلاة والسلام، وتقديم نبينا صلى الله عليه وسلم مع أنه آخرهم بعثة للإيذان بمزيد خطره الجليل أو لتقدمه في الخلق، فقد أخرج ابن أبي عاصم‏.‏ والضياء في المختارة عن أبي بن كعب مرفوعاً بدىء بي الخلق وكنت آخرهم في البعث، وأخرج جماعة عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث»، وكذا في الاستنباء فقد جاء في عدة روايات أنه عليه الصلاة والسلام قال‏:‏ «كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد» وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال‏:‏ قيل يا رسول الله متى أخذ ميثاقك‏؟‏ قال‏:‏ وآدم بين الروح والجسد، ولا يضر فيما ذكر تقديم نوح عليه السلام في آية الشورى أعني قوله تعالى‏:‏ ‏{‏شَرَعَ لَكُم مّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً‏}‏ ‏[‏الشورى‏:‏ 3 1‏]‏ الآية إذ لكل مقام مقال والمقام هناك وصف دين الإسلام بالأصالة والمناسب فيه تقديم نوح فكأنه قيل‏:‏ شرع لكم الدين الأصيل الذي بعث عليه نوح في العهد القديم وبعث عليه محمد عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء في العهد الحديث وبعث عليه من توسط بينهما من الأنبياء والمشاهير، وقال ابن المنير‏:‏ السر في تقديمه صلى الله عليه وسلم أنه هو المخاطب والمنزل عليه هذا المتلو فكان أحق بالتقديم، وفيه بحث ‏{‏وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ميثاقا غَلِيظاً‏}‏ أي عهد عظيم الشأن أو وثيقاً قوياً وهذا هو الميثاق الأول وأخذه هو أخذه، والعطف مبني على تنزيل التغاير العنواني منزلة التغاير الذاتي كما في قوله تعالى‏:‏

‏{‏وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 8 5‏]‏ إثر قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 8 5‏]‏ وفي ذلك من تفخيم الشأن ما فيه ولهذا لم يقل عز وجل‏:‏ وإذ أخذنا من النبيين ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم ميثاقاً غليظاً مثلاً، وقال سبحانه ما في «النظم الكريم، وقيل‏:‏ الميثاق الغليظ اليمين بالله تعالى فيكون بعدما أخذ الله سبحانه من النبيين الميثاق بتبليغ الرسالة والدعوة إلى الحق أكد باليمين بالله تعالى على الوفاء بما حملوا فالميثاقان متغايران بالذات، وقوله عز وجل‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏8‏]‏

‏{‏لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ‏(‏8‏)‏‏}‏

‏{‏لِّيَسْأَلَ الصادقين عَن صِدْقِهِمْ‏}‏ قيل متعلق بمضمر مستأنف مسوق لبيان علة الأخذ المذكور وغايته أي فعل الله تعالى ذلك ليسأل الخ وقيل‏:‏ متعلق بأخذنا، وتعقب بأن المقصود تذكير نفس الميثاق ثم بيان علته وغايته بياناً قصدياً كما ينبىء عنه تغيير الأسلوب بالالتفات إلى الغيبة، والمراد بالصادقين النبيون الذين أخذ ميثاقهم ووضع موضع ضميرهم للإيذان من أول الأمر بأنهم صادقوا فيما سئلوا عنه وإنما السؤال لحكمة تقتضيه أي ليسأل الله تعالى يوم القيامة النبيين الذين صدقوا عهودهم عن كلامهم الصادق الذي قالوه لأقوامهم أو عن تصديق أقوامهم إياهم، وسؤالهم عليهم السلام عن ذلك على الوجهين لتبكيت الكفرة المكذبين كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسول فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 9 10‏]‏ أو المراد بهم المصدقون بالنبيين، والمعنى ليسأل المصدقين للنبيين عن تصديقهم إياهم فيقال‏:‏ هل صدقتم‏؟‏ وقيل‏:‏ يقال لهم هل كان تصديقكم لوجه الله تعالى‏؟‏ ووجه إرادة ذلك أن مصدق الصادق صادق وتصديقه صدق، وقيل‏:‏ المعنى ليسأل المؤمنين الذين صدقوا عهدهم حين أشهدهم على أنفسهم عن صدقهم عندهم‏.‏

وتعقب بأنه يأباه مقام تذكير ميثاق النبيين ‏{‏وَأَعَدَّ للكافرين عَذَاباً أَلِيماً‏}‏ قيل عطف على فعل مضمر متعلقاً فيما قبل، وقيل‏:‏ على مقدر دل عليه ‏{‏لِّيَسْأَلَ‏}‏ كأنه قيل فأثاب المؤمنين وأعد للكافرين الخ، وقيل‏:‏ على ‏{‏أَخَذْنَا‏}‏ وهو عطف معنوي كأنه قيل‏:‏ أكد الله تعالى على النبيين الدعوة إلى دينه لأجل إثابة المؤمنين وأعد للكافرين الخ‏.‏

وقيل‏:‏ على ‏{‏يَسْئَلُ‏}‏ بتأويله بالمضارع ولا بد من ملاحظة مناسبة ليحسن العطف؛ وقيل‏:‏ على مقدر وفي الكلام الاحتباك والتقدير ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد لهم ثواباً عظيماً ويسأل الكاذبين عن كذبهم وأعد لهم عذاباً أليماً فحذف من كل منهما ما ثبت في الآخر، وقيل‏:‏ إن الجملة حال من ضمير ‏{‏يَسْئَلُ‏}‏ بتقدير قد أو بدونه، ولا يخفى أقلها تكلفاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏9‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ‏(‏9‏)‏‏}‏

‏{‏الجحيم يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ‏}‏ شروع في ذكر قصة الأحزاب وهي وقعة الخندق، وكانت على ما قال ابن إسحاق في شوال سنة خمس، وقال مالك‏:‏ سنة أربع‏.‏

والنعمة إن كانت مصدراً بمعنى الإنعام فالجار متعلق بها وإلا فهو متعلق بمحذوف وقع حالاً منها أي كائنة عليكم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ‏}‏ ظرف لنفس النعمة أو لثبوتها لهم، وقيل‏:‏ منصوب باذكر على أنه بدل اشتمال من ‏{‏نِعْمَتَ‏}‏ والمراد بالجنود الأحزاب، وهم قريش يقودهم أبو سفيان، وبنو أسد يقودهم طليحة، وغطفان يقودهم عيينة، وبنو عامر يقودهم عامر بن الطفيل، وبنو سليم يقودهم أبو الأعور السلمي، وبنو النضير رؤساؤهم حيي بن أخطب وأبناء أبي الحقيق، وبنو قريظة سيدهم كعب بن أسد، وكان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فنبذه بسعي حيي، وكان مجموعهم عشرة آلاف في قول وخمسة عشر ألفاً في آخر، وقيل‏:‏ زهاء اثني عشر ألفاً، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بإقبالهم حفر خندقاً قريباً من المدينة محيطاً بها بإشارة سلمان الفارسي أعطى كل أربعين ذراعاً لعشرة، ثم خرج عليه الصلاة والسلام في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء فدفعوا في الآطام، واشتد الخوف وظن المؤمنون كل ظن ونجم النفاق كما قص الله تعالى، ومضى قريب من شهر على الفريقين لا حرب بينهم سوى الرمي بالنبل والحجارة من وراء الخندق إلا أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود وكان يعد بألف فارس‏.‏ وعكرمة بن أبي جهل‏.‏ وضرار بن الخطاب‏.‏ وهبيرة بن أبي وهب‏.‏ ونوفل بن عبد الله قد ركبوا خيولهم وتيمموا من الخندق مكاناً ضيقاً فضربوا بخيولهم فاقتحموا فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع فخرج علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه في نفر من المسلمين رضي الله تعالى عنهم حتى أخذ عليهم الثغرة التي اقتحموا منها فأقبلت الفرسان معهم وقتل علي كرم الله تعالى وجهه عمراً في قصة مشهورة فانهزمت خيله حتى اقتحمت من الخندق هاربة وقتل مع عمرو منبه بن عثمان بن عبد الدار‏.‏ ونوفل بن عبد العزى، وقيل‏:‏ وجد نوفل في جوف الخندق فجعل المسلمون يرمونه بالحجارة فقال لهم‏:‏ قتلة أجمل من هذه ينزل بعضهكم أقاتله فقتله الزبير بن العوام‏.‏

وذكر ابن إسحاق أن علياً كرم الله تعالى وجهه طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقه فمات في الخندق وبعث المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشترون جيفته بعشرة آلاف فقال النبي عليه الصلاة والسلام‏:‏ هو لكم لا نأكل ثمن الموتى، ثم أنزل الله تعالى النصر وذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً‏}‏ عطف على ‏{‏جَاءتْكُمُ‏}‏ مسوق لبيان النعمة إجمالاً وسيأتي إن شاء الله تعالى بقيتها في آخر القصة‏.‏

‏{‏وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا‏}‏ وهم الملائكة عليهم السلام وكانوا على ما قيل ألفاً، روي أن الله تعالى بعث عليهم صباً باردة في ليلة باردة فأخصرتهم وسفت التراب في وجوههم وأمر الملائكة عليهم السلام فقلعت الأوتاد وقطعت الأطناب وأطفأت النيران وأكفأت القدور وماجت الخيل بعضها في بعض وقذف في قلوبهم الرعب وكبرت الملائكة في جوانب عسكرهم فقال طليحة بن خويلد الأسدي‏:‏ أما محمد صلى الله عليه وسلم فقد بدأكم بالسحر فالنجاء النجاء فانهزموا، وقال حذيفة رضي الله تعالى عنه وقد ذهب ليأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبر القوم‏.‏ خرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت في ضوء نار لهم توقد وإذا رجل أدهم ضخم يقول بيده على النار ويمسح خاصرته ويقول‏:‏ الرحيل الرحيل لا مقام لكم وإذا الرجل في عسكرهم ما يجاوز عسكرهم شبراً فوالله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم والريح تضربهم ثم خرجت نحو النبي عليه الصلاة والسلام فلما صرت في نصف الطريق أو نحو ذلك إذا أنا بنحو عشرين فارساً متعممين فقالوا‏:‏ أخبر صاحبك أن الله تعالى كفاه القوم‏.‏

وقرأ الحسن ‏{‏وَجُنُوداً‏}‏ بفتح الجيم، وقرأ أبو عمرو في رواية‏.‏ وأبو بكر في رواية أيضاً ‏{‏لَمْ‏}‏ بياء الغيبة ‏{‏تَرَوْهَا وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ‏}‏ من حفر الخندق وترتيب مبادىء الحرب أعلاء لكلمة الله تعالى، وقيل‏:‏ من التجائكم إليه تعالى ورجائكم من فضله عز وجل‏.‏

وقرأ أبو عمرو ‏{‏يَعْمَلُونَ‏}‏ بياء الغيبة أي بما يعمله الكفار من التحرز والمحاربة وإغراء بعضهم بعضاً عليها حرصاً على إبطال حقكم، وقيل‏:‏ من الكفر والمعاصي ‏{‏بَصِيراً‏}‏ ولذلك فعل ما فعل من نصركم عليهم، والجملة اعتراض مقرر لما قبله‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏10‏]‏

‏{‏إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ‏(‏10‏)‏‏}‏

‏{‏إِذْ جَاءوكُمْ‏}‏ بدل من ‏{‏إِذ جَاءتْكُمُ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 9‏]‏ بدل كل من كل، وقيل‏:‏ هو متعلق بتعملون أو ببصيراً ‏{‏مِنْ‏}‏ من أعلى الوادي من جهة المشرق والإضافة إليهم لأدنى ملابسة، والجائي من ذلك بنو عطفان‏.‏ ومن تابعهم من أهل نجد‏.‏ وبنو قريظة‏.‏ وبنو النضير ‏{‏فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ‏}‏ من أسفل الوادي من قبل المغرب، والجائي من ذلك قريش ومن شايعهم من الأحابيش‏.‏ وبني كنانة‏.‏ وأهل تهامة، وقيل‏:‏ الجائي من فوق بنو قريظة‏.‏ ومن أسفل قريش‏.‏ وأسد‏.‏ وغطفان‏.‏ وسليم، وقيل‏:‏ غير ذلك‏.‏

ويحتمل أن يكون من فوق ومن أسفل كناية عن الإحاطة من جميع الجوانب كأنه قيل‏:‏ إذ جاءوكم محيطين بكم كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يغشاهم العذاب مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ‏}‏ ‏[‏العنكبوت‏:‏ 55‏]‏ ‏{‏وَإِذْ زَاغَتِ الابصار‏}‏ عطف على ما قبله داخل معه في حكم التذكير أي حين مالت الأبصار عن سننها وانحرفت عن مستوى نظرها حيرة ودهشة‏.‏

وقال الفراء‏:‏ أي حين مالت عن كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوها ‏{‏وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر‏}‏ أي خافت خوفاً شديداً وفزعت فزعاً عظيماً لا أنها تحركت عن موضعها وتوجهت إلى الحناجر لتخرج‏.‏

أخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة أنه قال في الآية‏:‏ إن القلوب لو تحركت وزالت خرجت نفسه ولكن إنما هو الفزع فالكلام على المبالغة، وقيل‏:‏ القلب عند الغضب يندفع وعند الخوف يجتمع فيتقلص فيلتصق بالحنجرة وقد يفضي إلى أن يسد مخرج النفس فلا يقدر المرء أن يتنفس ويموت خوفاً، وقيل‏:‏ إن الرئة تنتفع من شدة الفزع والغضب والغم الشديد وإذا انتفخت ربت وارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة، ومن ثم قيل للجبان‏:‏ انتفخ سحره، وإلى حمل الكلام على الحقيقة ذهب قتادة‏.‏

أخرج عنه عبد الرزاق‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وابن أبي حاتم أنه قال في الآية‏:‏ أي شخصت عن مكانها فلولا أنه ضاق الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت، وفي مسند الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ قلنا يا رسول الله هل من شيء نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر‏؟‏ قال‏:‏ نعم اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا قال‏:‏ فضرب الله تعالى وجوه أعدائه بالريح فهزمهم الله تعالى بالريح، والخطاب في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا‏}‏ لمن يظهر الإيمان على الإطلاق، والظنون جمع الظن وهو مصدر شامل للقليل والكثير، وإنما جمع للدلالة على تعدد أنواعه، وقد جاء كذلك في أشعارهم أنشد أبو عمرو في كتاب الألحان‏:‏

إذا الجوزاء أردفت الثريا *** ظننت بآل فاطمة الظنونا

أي تظنون بالله تعالى أنواع الظنون المختلفة فيظن المخلصون منكم الثابتون في ساحة الإيمان أن ينجز سبحانه وعده في إعلاء دينه ونصرة نبيه صلى الله عليه وسلم، ويعرب عن ذلك ما سيحي عنهم من قولهم‏:‏

‏{‏هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 22‏]‏ الآية، أو أن يمتحنهم فيخافون أن تزل أقدامهم فلا يتحملون ما نزل بهم، وهذا لا ينافي الإخلاص والثبات كما لا يخفى، ويظن المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما حكى عنهم في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ يَقُولُ المنافقون‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 2 1‏]‏ الآية‏.‏ وأخرج ابن جرير‏.‏ وابن أبي حاتم عن الحسن أنه قال في الآية‏:‏ ظنون مختلفة ظن المنافقون أن محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه يستأصلون وأيقن المؤمنون أن ما وعد الله ورسوله حق وأنه سيظهر على الدين كله، وقد يختار أن الخطاب للمؤمنين ظاهراً وباطناً واختلاف ظنونهم بسبب أنهم يظنون تارة أن الله سبحانه سينصرهم على الكفار من غير أن يكون لهم استيلاء عليهم أولاً، وتارة أنه عز وجل سينصر الكفار عليهم فيستولون على المدينة ثم ينصرهم عليهم بعد، وأخرى أنه سبحانه سينصر الكفار بحيث يستأصلونهم وتعود الجاهلية، أو بسبب أن بعضهم يظن هذا وبعضهم يظن ذاك وبعضهم يظن ذلك‏.‏ ويلتزم أن الظن الذي لا يليق بحال المؤمن كان من خواطر النفس التي أوجبها الخوف الطبيعي ولم يمكن البشر دفعها ومثلها عفو، أو يقال‏:‏ ظنونهم المختلفة هي ظن النصر بدون نيل العدو منهم شيئاً وظنه بعد النيل وظن الامتحان وعلى هذا لا يحتاج إلى الاعتذار، وأياً ما كان فالجملة معطوفة على ‏{‏زَاغَتِ‏}‏ وصيغة المضارع لاستحضار الصورة والدلالة على الاستمرار، وكتب ‏{‏الظنونا‏}‏ وكذا أمثاله من المنصوب المعرف بأل كالسبيلا والرسولا في المصحف بألف في آخره، فحذفها أبو عمرو وقفاً ووصلاً، وابن كثير‏.‏ والكسائي وحفص يحذفونها وصلاً خاصة ويثبتها باقي السبعة في الحالين‏.‏ واختار أبو عبيد‏.‏ والحذاق أن يوقف على نحو هذه الكلمة بالألف ولا توصل فتحذف أو تثبت لأن حذفها مخالف لما اجتمعت عليه مصاحف الأمصار ولأن إثباتها في الوصل معدوم في لسان العرب نظمهم ونثرهم لا في اضطرار ولا في غيره، أما إثباتها في الوقف فيه اتباع الرسم وموافقة لبعض مذاهب العرب لأنهم يثبتون هذه الألف في قوافي أشعارهم ومصاريعها ومن ذلك قوله‏:‏

أقلي اللوم عاذل والعتابا *** والفواصل في الكلام كالمصاريع، وقال أبو علي‏:‏ إن رؤوس الآي تشبه بالقوافي من حيث كانت مقاطع كما كانت القوافي مقاطع‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏11‏]‏

‏{‏هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ‏(‏11‏)‏‏}‏

‏{‏هُنَالِكَ‏}‏ ظرف مكان ويستعمل للزمان وقيل‏:‏ إنه مجاز وهو أنسب هنا، وأياً ما كان فهو ظرف لما بعده لا لتظنون كما قيل أي في ذلك الزمان الهائل أو في ذلك المكان المدحض ‏{‏ابتلى المؤمنون‏}‏ أي اختبرهم الله تعالى، والكلام من باب التمثيل، والمراد عاملهم سبحانه وتعالى معاملة المختبر فظهر المخلص من المنافق والراسخ من المتزلزل، وابتلاؤهم على ما روي عن الضحاك بالجوع، وعلى ما روي عن مجاهد بشدة الحصار، وعلى ما قيل بالصبر على الإيمان‏.‏

‏{‏وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً‏}‏ أي اضطربوا اضطراباً شديداً من شدة الفزع وكثرة الأعداء، وعن الضحاك أنهم زلزلوا عن أماكنهم حتى لم يكن لهم إلا موضع الخندق، وقيل‏:‏ أي حركوا إلى الفتنة فعصموا‏.‏ وقرأ أحمد بن موسى اللؤلؤي عن أبي عمرو ‏{‏زلزلوا‏}‏ بكسر الزاي قاله ابن خالويه، وقال الزمخشري‏:‏ وعن أبي عمرو إشمام زاي زلزلوا وكأنه عني أشمامها الكسر ووجه الكسر أنه اتبع حركة الزاي الأولى لحركة الثانية ولم يعتد بالساكن كما لم يعتد به من قال منتن بكسر الميم اتباعاً لحركة التاء وهو اسم فاعل من أنتن‏.‏ وقرأ الجحدري‏.‏ وعيسى ‏{‏وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً‏}‏ بفتح الزاي، ومصدر فعلل من المضاعف يجوز فيه الفتح والكسر نحو قلقل قلقالاً، وقد يراد بالمفتوح اسم الفاعل نحو صلصال بمعنى مصلصل، فإن كان من غير المضاعف فما سمع منه على فعلال مكسور الفاء نحو سرهفه سرهافاً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏12‏]‏

‏{‏وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ‏(‏12‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذْ يَقُولُ المنافقون‏}‏ عطف على ‏{‏إِذْ زَاغَتِ‏}‏ وصيغة المضارع لما مر من الدلالة على استمرار القول واستحضار صورته‏.‏

‏{‏والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ‏}‏ ظاهر العطف أنهم قوم لم يكونوا منافقين فقيل‏:‏ هم قوم كان المنافقون يستميلونهم بإدخال الشبهة عليهم، وقيل‏:‏ قوم كانوا ضعفاء الاعتقاد لقرب عهدهم بالإسلام‏.‏ وجوز أن يكون المراد بهم المنافقين أنفسهم والعطف لتغاير الوصف كقوله‏:‏

إلى الملك القرم وابن الهمام *** ‏{‏مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ‏}‏ من الظفر وإعلاء الدين ‏{‏إِلاَّ غُرُوراً‏}‏ أي وعد غرور، وقيل‏:‏ أي قولاً باطلاً وفي «البحر» أي أمراً يغرنا ويوقعنا فيما لا طاقة لنا به روي أن الصحابة بينما يحفرون الخندق عرضت لهم صخرة بيضاء مدورة شديدة جداً لا تدخل فيها المعاول فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ المعول من سلمان رضي الله تعالى عنه فضربها ضربة دعها وبرقت منها برقة أضاء منها ما بين لابتي المدينة حتى لكأن مصباحاً في جوف ليل مظلم فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبر المسلمون ثم ضربها الثانية فصدعها وبرقت منها برقة أضاء منها ما بين لابتيها فكبر عليه الصلاة والسلام وكبر المسلمون ثم ضربها الثالثة فكسرها وبرقت برقة أضاء منها ما بين لابتيها فكبر صلى الله عليه وسلم وكبر المسلمون فسئل عن ذلك فقال عليه الصلاة والسلام‏:‏ أضاء لي في الأولى قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها وأضاء لي الثانية قصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها وأضاء لي في الثالثة قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبريل عليه السلام أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا بالنصر فاستبشر المسلمون وقال رجل من الأنصار يدعى معتب بن قشير وكان منافقاً‏:‏ أيعدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن يفتح لنا مدائن اليمن وبيض المدائن وقصور الروم وأحدنا لا يستطيع أن يقضي حاجته إلا قتل هذا والله الغرور فأنزل الله تعالى في هذا ‏{‏وَإِذْ يَقُولُ المنافقون‏}‏ الخ‏.‏

وفي رواية قال المنافقون حين سمعوا ذلك ألا تعجبون يحدثكم ويعدكم ويمنيكم الباطل أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق ولا تستطيعون أن تبرزوا فأنزل الله تعالى قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِذْ يَقُولُ المنافقون‏}‏ ووجه الجمع على القول بأن القائل واحد أن الباقين راضون بذلك قابلوه منه، والظاهر أن نسبة الوعد إلى الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالة من المنافقين الذين لا يعتقدون اتصافه صلى الله عليه وسلم بالرسالة ولا أن الوعد وعد الله تعالى شأنه كانت من باب المماشاة أو الاستهزاء وإن كانت قد وقعت من غيرهم فهي بالتبعية لهم‏.‏

ويجوز أن يكون وقوع ما ذكر في الحكاية لا في كلامهم ويستأنس له بما وقع في بعض الآثار وبعضهم بحث عن إطلاق الرسول عليه صلى الله عليه وسلم فقال إنه في الحكاية لا في كلامهم كما يشهد بذلك ما روي عن معتب أو هو تقية لا استهزاء لأنه لا يصح بالنسبة لغير المنافقين فتأمل ولا تغفل‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏13‏]‏

‏{‏وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ‏(‏13‏)‏‏}‏

‏{‏وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ‏}‏ قال السدي‏:‏ هم عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه، وقال مقاتل‏:‏ هم بنو سلمة، وقال أوس بن رومان‏.‏ هم أوس بن قيظي وأصحابه بنو حارثة وضمير ‏{‏مِنْهُمْ‏}‏ للمنافقين أو للجميع ‏{‏مّنْهُمْ ياأهل‏.‏ يَثْرِبَ‏}‏ هو اسم المدينة المنورة، وقال أبو عبيدة اسم بقعة وقعت المدينة في ناحية منها، وقيل‏:‏ اسم أرضها وهو عليها ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل أو التأنيث ولا ينبغي تسمية المدينة بذلك أخرج أحمد‏.‏ وابن أبي حاتم، وابن مردويه‏.‏ عن البراء بن عازب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله تعالى هي طابة هي طابة هي طابة وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس عن رسول الله عليه الصلاة والسلام لا تدعونها يثرب فإنها طيبة يعني المدينة ومن قال يثرب فليستغفر الله تعالى ثلاث مرات هي طيبة هي طيبة هي طيبة، وفي «الحواشي الخفاجية» أن تسميتها به مكروها كراهة تنزيهه، وذكر في وجه ذلك أن هذا الاسم يشعر بالتثريب وهو اللوم والتعيير‏.‏

وقال الراغب‏:‏ التثريب التقريع بالذنب والثرب شحمة رقيقة، ويثرب يصح أن يكون أصله من هذا الباب والياء تكون فيه زائدة انتهى، وقيل‏:‏ يثرب اسم رجل من العمالقة وبه سميت المدينة وكان يقال لها أثرب أيضاً، ونقل الطبرسي عن الشريف المرتضى أن للمدينة أسماء منها يثرب وطيبة وطابة والدار والسكينة وجائزة والمحبورة والمحبة والمحبوبة والعذاء والمرحومة والقاصمة ويندد انتهى، وكأن القائلين اختاروا يثرب من بين الأسماء مخالفة له صلى الله عليه وسلم لما علموا من كراهيته عليه الصلاة والسلام لهذا الاسم من بينها، ونداؤهم أهل المدينة بعنوان أهليتهم لها ترشيح لما بعد من الأمر بالرجوع إليها ‏{‏لاَ مُقَامَ لَكُمْ‏}‏ أي لا مكان إقامة أو لا إقامة لكم أي لا ينبغي أو لا يمكن لكم الإقامة ههنا‏.‏

وقرأ أبو جعفر‏.‏ وشيبة‏.‏ وأبو رجاء‏.‏ والحسن‏.‏ وقتادة‏.‏ والنخعي‏.‏ وعبد الله بن مسلم‏.‏ وطلحة‏.‏ وأكثر السبعة ‏{‏لاَ مُقَامَ‏}‏ بفتح الميم وهو يحتمل أيضاً المكان أي لا مكان قيام والمصدر أي لا قيام لكم، والمعنى على نحو ما تقدم ‏{‏فارجعوا‏}‏ أي إلى منازلكم بالمدينة ليكون ذلك أسلم لكم من القتل أو ليكون لكم عند هذه الأحزاب يد، قيل‏:‏ ومرادهم أمرهم بالفرار على ما يشعر به ما بعد لكنهم عبروا عنه بالرجوع ترويجاً لمقالتهم وأيذاناً بأنه ليس من قبيل الفرار المذموم، وقيل‏:‏ المعنى لا مقام لكم في دين محمد صلى الله عليه وسلم فارجعوا إلى ما كنتم عليه من الشرك أو فارجعوا عما بايعتموه عليه وأسلموه إلى أعدائه عليه الصلاة والسلام، أو لا مقام لكم بعد اليوم في يثرب أو نواحيها لغلبة الأعداء فارجعوا كفاراً ليتسنى لكم المقام فيها لارتفاع العداوة حينئذٍ‏.‏

وقيل‏:‏ يجوز أن يكونوا خافوا من قتل النبي صلى الله عليه وسلم إياهم بعد غلبته عليه الصلاة والسلام حيث ظهر أنهم منافقون فقالوا‏:‏ ‏{‏لاَ مُقَامَ لَكُمْ‏}‏ على معنى لا مقام لكم مع النبي صلى الله عليه وسلم لأنه إن غلب قتلكم فارجعوا عما بايعتموه عليه وأسلموه عليه الصلاة والسلام أن فارجعوا عن الإسلام واتفقوا مع الأحزاب أو ليس لكم محل إقامة في الدنيا أصلاً إن بقيتم على ما أنتم عليه فارجعوا عما بايعتموه عليه عليه الصلاة والسلام إلى آخره، والأول أظهر وأنسب بما بعده، وبعض هذه الأوجه بعيد جداً كما لا يخفى‏.‏

‏{‏وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مّنْهُمُ النبى‏}‏ عطف على ‏{‏قَالَتْ‏}‏ وصيغة المضارع لما مر من استحضار الصورة، والمستأذن على ما روي عن ابن عباس‏.‏ وجابر بن عبد الله بنو حارثة بن الحرث، قيل‏:‏ أرسلوا أوس بن قيظى أحدهم للاستئذان، وقال السدي‏:‏ جاء هو ورجل آخر منهم يدعى أبا عرابة بن أوس، وقيل‏:‏ المستأذن بنو حارثة‏.‏ وبنو سلمة استأذنوه عليه الصلاة والسلام في الرجوع ممتثلين بأمر أولئك القائلين يا أهل يثرب‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَقُولُونَ‏}‏ بدل من ‏{‏يستأذن‏}‏ أو حال من فاعله أو استئناف مبني على السؤال عن كيفية الاستئذان ‏{‏يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ‏}‏ أي ذليلة الحيطان يخاف عليها السراق كما نقل عن السدي، وقال الراغب‏:‏ أي متخرقة ممكنة لمن أرادها، وقال الكلبي‏:‏ أي خالية من الرجال ضائعة، وقال قتادة‏:‏ قاصية يخشى عليها العدو؛ وأصلها على ما قيل مصدر بمعنى الخلل ووصف بها مبالغة وتكون صفة للمؤنث والمذكر والمفرد وغيره كما هو شأن المصدر، وجوز أن تكون صفة مشبهة على أنها مخفف عورة بكسر الواو كما قرأ بذلك هنا وفيما بعد ابن عباس‏.‏ وأبو يعمر‏.‏ وقتادة‏.‏ وأبو رجاء‏.‏ وأبو حيوة‏.‏ وابن أبي عبلة‏.‏ وأبو طالوت‏.‏ وابن مقسم‏.‏ وإسماعيل بن سليمان عن ابن كثير من عورت الدار إذا اختلت، قال ابن جني‏:‏ صحة الواو على هذا شاذة والقياس قلبها ألفاً فيقال عارة كما يقال كبش صاف ونعجة صافة ويوم راح ورجل مال والأصل صوف وصوفة وروح ومول‏.‏ وتعقب بأن القياس إنما يقتضي القلب إذا وقع القلب في الفعل وعور هنا قد صحت عينه حملاً على أعور المشدد، ورجح كونها مصدراً وصف به للمبالغة بأنه الأنسب بمقام الاعتذار كما يفصح عنه تصدير مقالتهم بحرف التحقيق، لكن ينبغي أن يقال في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ‏}‏ إذا أجرى فيه هذا اللفظ كما أجرى فيما قبله أن المراد المبالغة في النفي على نحو ما قيل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 6 4‏]‏ والواو فيه للحال أي يقولون ذلك والحال أنها ليست كذلك ‏{‏إِن يُرِيدُونَ‏}‏ أي ما يريدون بالاستئذان ‏{‏إِلاَّ فِرَاراً‏}‏ أي هرباً من القتال ونصرة المؤمنين قاله جماعة، وقيل‏:‏ فراراً من الدين‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏14‏]‏

‏{‏وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا ‏(‏14‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَوْ دُخِلَتْ‏}‏ أي البيوت كما هو الظاهر ‏{‏عَلَيْهِمْ‏}‏ أي على هؤلاء القائلين، وأسند الدخول إلى بيوتهم وأوقع عليهم لما أن المراد فرض دخولها وهم فيها لا فرض دخولها مطلقاً كما هو المفهوم لو لم يذكر الجار والمجرور ولا فرض الدخول عليهم مطلقاً كما هو المفهوم لو أسند إلى الجار والمجرور وفاعل الدخول الداخل من أهل الفساد من كان أي لو دخل كل من أراد الدخول من أهل الدعاءة والفساد بيوتهم وهم فيها ‏{‏مّنْ أَقْطَارِهَا‏}‏ جمع قطر بمعنى الناحية والجانب ويقال قتر بالتاء لغة فيه أي من جميع جوانبها وذلك بأن تكون مختلة بالكلية وهذا داخل في المفروض فلا يخالف قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 13‏]‏ ‏{‏ثُمَّ سُئِلُواْ‏}‏ أي طلب منهم من جهة طائفة أخرى عند تلك النازلة والرجفة الهائلة ‏{‏الْفتنْنَةَ‏}‏ أي القتال كما قال الضحاك ‏{‏الفتنة لاَتَوْهَا‏}‏ أي لأعطوها أولئك السائلين كأنه شبه الفتنة المطلوب اتباعهم فيها بأمر نفيس يطلب منهم بذله ونزل إطاعتهم واتباعهم بمنزلة بذلك ما سئلوه وإعطائه‏.‏ وقرأ نافع‏.‏ وابن كثير ‏{‏لاَتَوْهَا‏}‏ بالقصر أي لفعلوها ‏{‏وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَا‏}‏ أي بالفتنة، والباء للتعدية أي ما لبثوها وما أخروها ‏{‏إِلاَّ يَسِيراً‏}‏ أي إلا تلبثاً يسير أو إلا زماناً يسير وهو مقدار ما يأخذون فيه سلاحهم على ماقيل، وقيل‏:‏ مقدار ما يجيبون السؤال فيه، وكلاهما عندي من باب التمثيل، والمراد أنهم لو سألهم غيرك القتال وهم في أشد حال وأعظم بلبال لأسرعوا جداً فضلاً عن التعلل باختلال البيوت مع سلامتها كما فعلوا الآن‏.‏ والحاصل أن طلبهم الإذن في الرجوع ليس لاختلال بيوتهم بل لنفاقهم وكراهتهم نصرتك، وقال ابن عظية‏:‏ المعنى ولو دخلت المدينة من أقطارها واشتد الحرب الحقيقي ثم سئلوا الفتنة والحرب لمحمد صلى الله عليه وسلم لطاروا إليها ولم يتلبثوا في بيوتهم لحفظها إلا يسيراً قيل قدر ما يأخذون سلاحهم انتهى، فضمير ‏{‏دَخَلَتْ‏}‏ عنده عائد على المدينة وباء ‏{‏بِهَا‏}‏ للظرفية كما هو ظاهر كلامه، وجوز أن تكون سببية والمعنى على تقدير مضاف أي ولم يتلبثوا بسبب حفظها» وقيل‏:‏ يجوز أن تكون للملابسة أيضاً، والضمير على كل تقدير للبيوت وفيه تفكيك الضمائر‏.‏

وعن الحسن‏.‏ ومجاهد‏.‏ وقتادة ‏{‏الفتنة‏}‏ الشرك‏.‏ وفي معناه ما قيل‏:‏ هي الردة والرجوع إلى إظهار الكفر، وجعل بعضهم ضميري ‏{‏دَخَلَتْ‏}‏ للمدينة وزعم أن المعنى ولو دخلت المدينة عليهم من جميع جوانبها ثم سئلوا الرجوع إلى إظهار الكفر والشرك لفعلوا وما لبثوا بالمدينة بعد إظهار كفرهم إلا يسيراً فإن الله تعالى يهلكهم أو يخرجهم بالمؤمنين، وقيل‏:‏ ضمير ‏{‏كُلَّمَا دَخَلَتْ‏}‏ للبيوت أو للمدينة وضمير ‏{‏بِهَا‏}‏ للفتنة بمعنى الشرك والباء للتعدية، والمعنى ولو دخلت عليهم ثم سئلوا الشرك لأشركوا وما أخروه إلا يسيراً، وقريب منه قول قتادة أي لو دخلت عليهم ثم سئلوا الشرك لأعطوه طيبة به أنفسهم وما تحبسوا به إلا يسيراً، وجوز أن تكون الباء لغير ذلك، وقيل‏:‏ فاعل الدخول أولئك العساكر المتحزبة، والوجوه المحتملة في الآية كثيرة كما لا يخفى على من له أدنى تأمل، وما ذكرناه أولاً هو الأظهر فيما أرى‏.‏

وقرأ الحسن ‏{‏سولوا‏}‏ بواو ساكنة بعد السين المضمومة قالوا‏:‏ وهي من سال يسال كخاف يخاف لغة في سأل المهموز العني، وحكى أبو زيد هما يتساولان، وقال أبو حيان‏:‏ ويجوز أن يكون أصلها الهمزة لأنه يجوز أن يكون سولوا على قول من يقول في ضرب مبنياً للمفعول ضرب ثم سهل الهمزة بإبدالها واواً على قول من قال في بؤس بوس بإبدال الهمزة واواً لضم ما قبلها‏.‏ وقرأ عبد الوارث عن أبي عمرو‏.‏ والأعمش ‏{‏سيلوا‏}‏ بكسر السين من غير همزة نحو قيل‏:‏ وقرأ مجاهد ‏{‏سيلوا‏}‏ بواو ساكنة بعد السين المضمومة وياء مكسورة بدلاً من الهمزة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏15‏]‏

‏{‏وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا ‏(‏15‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَقَدْ كَانُواْ عاهدوا الله مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الادبار‏}‏ هؤلاءهم الفريق المستأذنون وهم بنو حارثة عند الأكثرين، وقيل‏:‏ هم بنو سلمة كانوا قد جبنوا يوم أحد ثم تابوا وعاهدوا يومئذ قبل يوم الخندق أن لا يفروا، وعن ابن عباس أنهم قوم عاهدوا بمكة ليلة العقبة أن يمنعوه صلى الله عليه وسلم مما يمنعون منه أنفسهم، وقيل‏:‏ أناس غابوا عن وقعة بدر فحزنوا على ما فاتهم مما أعطى أهل بدر من الكرامة فقالوا‏:‏ لئن أشهدنا الله تعالى قتالاً لنقاتلن و‏{‏عاهد‏}‏ أجرى مجرى اليمين ولذلك تلقى بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لاَ يُوَلُّونَ الادبار‏}‏ وجاء بصيغة الغيبة على المعنى ولو جاء كما لفظوا به لكان التركيب لا تولى الأدبار، وتولية الأدبار كناية عن الفرار والانهزام فإن الفار يولى دبره من فر منه ‏{‏وَكَانَ عَهْدُ الله‏}‏ عن الوفاء به مجازي عليه وذلك يوم القيامة، والتعبير بالماضي على ما في «مجمع البيان» لتحقق الوقوع، وقيل‏:‏ أي كان عند الله تعالى مسؤولاً عن الوفاء به أو مسؤولاً مقتضى حتى يوفى به‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏16‏]‏

‏{‏قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏16‏)‏‏}‏

‏{‏قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مّنَ الموت أَوِ القتل‏}‏ أي لن ينفعكم ذلك ويدفع عنكم ما أبرم في الأزل عليكم من موت أحدكم حتف أنفه أو قتله بسيف ونحوه فإن المقدر كائن لا محالة ‏{‏وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً‏}‏ أي وإن نفعكم الفرار بأن دفع عنكم ما أبرم عليكم فمتعتم لم يكن ذلك التمتيع إلا تمتيعاً قليلاً أو زماناً قليلاً‏.‏

وهذا من باب فرض المحال ولم يقل‏:‏ ولو نفعكم إخراجاً للكلام مخرج المماشاة أو إذا نفعكم الفرار فمتعتم بالتأخير بأن كان ذلك معلقاً عند الله تعالى على الفرار مربوطاً به لم يكن التمتيع إلا قليلاً فإن أيام الحياة وإن طالت قصيرة، وعمر تأكله ذرات الدقائق وإن كثر قليل، وقال بعض الأجلة‏:‏ المعنى لا ينفعكم نفعاً دائماً أو تاماً في دفع الأمرين المذكورين الموت أو القتل بالكلية إذ لا بد لكل شخص من موت حتف أنفه أو قتل في وقت معين لا لأنه سبق به القضاء لأنه تابع للمقضي فلا يكون باعثاً عليه بل لأنه مقتضى ترتب الأسباب والمسببات بحسب جرى العادة على مقتضى الحكمة فلا دلالة فيه على أن الفرار لا يغني شيئاً حتى يشكل بالنهي عن الإلقاء إلى التهلكة وبالأمر بالفرار عن المضار، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً‏}‏ يدل على أن في الفرار نفعاً في الجملة إذاً لمعنى لا تمتعون على تقدير الفرار إلا متاعاً قليلاً، وفيه ما فيه فتأمل‏.‏

وذكر الزمخشري أن بعض المروانية مر على حائط مائل فأسرع فتليت له هذه الآية فقال‏:‏ ذلك القليل نطلب وكأنه مال إلى الوجه الثاني أو إلى ما ذكره البعض في الآية؛ وجواب الشرط لإن محذوف لدلالة ما قبله عليه و‏{‏أَذِنَ‏}‏ تقدمها ههنا حرف عطف فيجوز فيها الأعمال والإهمال لكنه لم يقرأ هنا إلا بالإهمال‏.‏ وقرىء بالأعمال في قوله تعالى في سورة ‏[‏الإسراء‏:‏ 6 7‏]‏ ‏{‏وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُواْ خلافك‏}‏ وقرىء ‏{‏لا يُمَتَّعُونَ‏}‏ بياء الغيبة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏17‏]‏

‏{‏قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ‏(‏17‏)‏‏}‏

‏{‏قُلْ مَن ذَا الذى يَعْصِمُكُمْ مّنَ الله إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً‏}‏ استفهام في معنى النفي أي لا أحد يمنعكم من الله عز وجل وقدره جل جلاله أن خيراً وإن شراً فجعلت الرحمة قرينة السوء في العصمة مع أنه لا عصمة إلا من السوء لما في العصمة من معنى المنع، وجوز أن يكون في الكلام تقدير والأصل قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوأ أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة فاختصر نظير قوله‏:‏

ورأيت زوجك في الوغى *** متقلداً سيفاً ورمحاً

فإنه أراد وحاملاً أو ومعتقلاً رمحاً، ويجري نحو التوجيه السابق في الآية، وجوز الطيبي أن يكون المعنى من الذي يعصمكم من الله أراد بكم سوأ أو من الذي يمنع رحمة الله منكم إن أراد بكم رحمة، وقرينة التقدير ما في ‏{‏يَعْصِمُكُمْ‏}‏ من معنى المنع، واختير الأول لسلامته عن حذف جملة بلا ضرورة‏.‏

‏{‏وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ الله وَلِيّاً‏}‏ ينفعهم ‏{‏وَلاَ نَصِيراً‏}‏ يدفع الضرر عنهم، والمراد الأولى فيجدوه الخ فهو كقوله‏:‏

ولا ترى الضب بها ينجحر *** اه وهو معطوف على ما قبله بحسب المعنى فكأنه قيل‏:‏ لا عاصم لهم ولا ولي ولا نصير أو الجملة حالية‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏18‏]‏

‏{‏قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏18‏)‏‏}‏

‏{‏قَدْ يَعْلَمُ الله المعوقين مِنكُمْ‏}‏ أي المثبطين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏والقائلين لإخوانهم هَلُمَّ إِلَيْنَا‏}‏ أي اقبلوا إلينا أو قربوا أنفسكم إلينا، قال ابن السائب‏:‏ الآية في عبد الله بن أبي‏.‏ ومعتب بن قشير‏.‏ ومن رجع من المنافقين من الخندق إلى المدينة كانوا إذا جاءهم المنافق قالوا له‏:‏ ويحك اجلس ولا تخرج ويكتبون إلى إخوانهم في العسكر أن ائتونا فإنا ننتظركم، وقال قتادة‏:‏ هي في المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم من ساكني المدينة من أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما محمد عليه الصلاة والسلام وأصحابه إلا أكلة رأس ولو كانوا لحماً لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه فخلوهم‏.‏

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال‏:‏ انصرف رجل من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب إلى شقيقه فوجد عنده شواء ونبيذاً فقال له‏:‏ أنت ههنا ورسول الله عليه الصلاة والسلام بين الرماح والسيوف فقال‏:‏ هلم إلى فقد أحيط بك وبصاحبك والذي يحلف به لا يستقبلها محمد أبداً فقال‏:‏ كذبت والذي يحلف به لأخبرنه بأمرك فذهب ليخبره صلى الله عليه وسلم فوجد جبريل عليه السلام قد نزل بهذه الآية‏.‏

وقيل‏:‏ هؤلاء اليهود كانوا يقولون لأهل المدينة‏:‏ تعالوا إلينا وكونوا معنا، وكأن المراد من أهل المدينة المنافقون منهم المعلوم نفاقهم عند اليهود؛ و‏{‏قَدْ‏}‏ للتحقيق أو للتقليل وهو باعتبار المتعلق، و‏{‏مّنكُمْ‏}‏ بيان للمعوقين لأصلته كما أشير إليه، والمراد بالأخوة التشارك في الصفة وهو النفاق على القول الأول، والكفر بالنبي صلى الله عليه وسلم على القول الأخير، والصحبة والجوار وسكنى المدينة على القول الثاني وكذا على القول الثالث فإن ذلك يجامع الأخوة في النسب، وظاهر صيغة الجمع يقتضي أن الآية لم تنزل في ذينك الشقيقين وحدهما فلعلها نزلت فيهما وفي المنافقين القائلين ذلك والأنصار المخلصين المقول لهم، وجواز كونها نزلت في جماعة من الأخوان في النسب مجرد احتمال وإن كان له مستند سمعي فلتحمل الأخوة عليه على الآخوة في النسب ولا ضير، والقول بجميع الأقوال الأربعة المذكورة وحمل الأخوة على الأخوة في الدين والأخوة في الصحبة والجوار والأخوة في النسب لا يخفى حاله، ‏{‏وهلم‏}‏ عند أهل الحجاز يسوي فيه بين الواحد والجماعة، وأما عند تميم فيقال‏:‏ هلم يا رجل وهلموا يا رجال، وهو عند بعض الأئمة صوت سمي به الفعل، واشتهر أنه يكون متعدياً كلهم شهداءكم بمعنى أحضروا أو قربوا ولازماً كهلم إلينا بناء على تفسير بأقبلوا إلينا؛ وأما على تفسيره بقربوا أنفسكم إلينا فالظاهر أنه متعد حذف مفعوله، وجوز كونه لازماً وهذا تفسير لحاصل المعنى‏.‏

وفي «البحر» أن الذي عليه النحويون أن هلم ليس صوتاً وإنما هو مركبك اختلف في أصل تركيبه فقيل‏:‏ مركب من ها التي للتنبيه والميم بمعنى اقصد وأقيل وهو مذهب البصريين، وقيل‏:‏ من هل وأم، والكلام على المختار من ذلك مبسوط في محله‏.‏

‏{‏إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ البأس‏}‏ أي الحرب والقتال وأصل معناه الشدة ‏{‏إِلاَّ قَلِيلاً‏}‏ أي إتياناً أو زماناً قليلا فقد كانوا لا يأتون العسكر إلا أن لا يجدوا بداً من إتيانه فيأتون ليرى الناس وجوههم فإذا غفلوا عنهم عادوا إلى بيوتهم، ويجوز أن يكون صفة مفعول مقدر كما كان صفة المصدر أو الزمان أي إلا بأساً قليلاً على أنهم يعتذرون في البأس الكثير ولا يخرجون إلا في القليل، وإتيان البأس على هذه الأوجه على ظاهره، ويجوز أن يكون كناية عن القتال، والمعنى ولا يقاتلون إلا قتالاً قليلاً كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 20‏]‏ وقلته إما لقصر زمانه وإما لقلة غنائه، وأياً ما كان فالجملة حال من ‏{‏القائلين‏}‏ وقيل‏:‏ يجوز أيضاً أن تكون عطف بيان على ‏{‏بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ‏}‏ وهو كما ترى، وقيل‏:‏ هي من مقول القول وضمير الجمع لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أي القائلين ذلك والقائلين لا يأتي أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حرب الأحزاب ولا يقاومونهم إلا قليلاً، وهذا القول خلاف المتبادر وكأنه ذهب إليه من قال إن الآية في اليهود‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏19‏]‏

‏{‏أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ‏(‏19‏)‏‏}‏

‏{‏أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ‏}‏ أي بخلاء عليكم بالنفقة والنصرة على ما روى عن مجاهد‏.‏ وقتادة، وقيل‏:‏ بأنفسهم، وقيل‏:‏ بالغنيمة عند القسم، وقيل‏:‏ بكل ما فيه منفعة لكم وصوب هذا أبو حيان، وذهب الزمخشري إلى أن المعنى أضناء بكم يترفرفون عليكم كما يفعل الرجل بالذاب عنه المناضل دونه عند الخوف وذلك لأنهم يخافون على أنفسهم لو غلب النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين حيث لم يكن لهم من يمنع الأحزاب عنهم ولا من يحمى حوزتهم سواهم، وقيل‏:‏ كانوا يفعلون ذلك رياء، والأكثرون ذهبوا إلى ما سمعت قبل وعدل إليه مختصر وكشافه أيضاً وذلك على ما قيل لأن ما ذهب إليه معنى ما في التفريع بعد فيحتاج إلى جعله تفسيراً، ورجحه بعض الأجلة على ما ذهب إليه الأكثر فقال‏:‏ إنما اختاره ليطابق معنى ويقابل قوله تعالى بعد‏:‏ ‏{‏أَشِحَّةً عَلَى الخير‏}‏ ولأن الاستعمال يقتضيه فإن الشح على الشيء هو أن يراد بقاؤه كما في «الصحاح» وأشار إليه بقوله‏:‏ أضناء بكم، وما ذكره غيره لا يساعده الاستعمال انتهى‏.‏

قال الخفاجي‏:‏ إن سلم ما ذكر من الاستعمال كان متعيناً وإلا فلكل وجهة كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام، و‏{‏أَشِحَّةً‏}‏ جميع شحيح على غير القياس إذ قياس فعيل الوصف المضعف عينه ولأمه أن يجمع على افعلاء كضنين وإضناء وخليل وإخلاء فالقياس أشحاء وهو مسموع أيضاً، ونصبه عند الزجاج‏.‏ وأبي البقاء على الحال من فاعل ‏{‏يَأْتُونَ‏}‏ على معنى تركوا الاتيان أشحة، وقال الفراء‏:‏ على الذم، وقيل‏:‏ على الحال من ضمير ‏{‏هَلُمَّ إِلَيْنَا‏}‏ أو من ضمير يعوقون مضمراً، ونقل أولهما عن الطبري وهو كما ترى، وقيل‏:‏ من ‏{‏المعوقين‏}‏ أو من القائلين، ورداً بأن فيهما الفصل بين أبعاض الصلة، وتعقب بأن الفاصل من متعلقات الصلة وإنما يظهر الرد على كونه حالاً من ‏{‏المعوقين‏}‏ لأنه قد عطف على الموصول قبل تمام صلته‏.‏

وقرأ ابن أبي عبلة ‏{‏أَشِحَّةً‏}‏ بالرفع على إضمار مبتدأ أي هم أشحة ‏{‏فَإِذَا جَاء الخوف‏}‏ من العدو وتوقع أن يستأصل أهل المدينة ‏{‏رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ‏}‏ أي أحداقهم أو بأحداقهم على أن الباء للتعدية فيكون المعنى تدير أعينهم أحداقهم، والجملة في موضع الحال أي دائرة أعينهم من شدة الخوف‏.‏

‏{‏كالذى يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت‏}‏ صفة لمصدر ‏{‏يُنظَرُونَ‏}‏ أو حال من فاعله أو لمصدر ‏{‏تَدورُ‏}‏ أو حال من ‏{‏أَعْيُنَهُمْ‏}‏ أي ينظرون نظراً كائناً كنظر المغشي عليه من معالجة سكرات الموت حذراً وخوفاً ولو إذا بك أو ينظرون كائنين كالذي الخ أو تدور أعينهم دوراناً كائناً كدوران عين الذي الخ أو تدور أعينهم كائنة كعين الذي الخ، وقيل‏:‏ معنى الآية إذا جاء الخوف من القتال وظهر المسلمون على أعدائهم رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم في رؤيتهم وتجول وتضطرب رجاء أن يلوح لهم مضرب لأنهم يحضرون على نية شر لا على نية خير، والقول الأول هو الظاهر ‏{‏فَإِذَا ذَهَبَ الخوف سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ‏}‏ أي أذوكم بالكلام وخاصموكم بألسنة سلطة ذربة قاله الفراء، وعن قتادة بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة يقولون‏:‏ أعطونا أعطونا فلستم بأحق بهامنا، وقال يزيد بن رومان‏:‏ بسطوا ألسنتهم في أذاكم وسبكم وتنقيص ما أنتم عليه من الدين‏.‏

وقال بعض الأجلة‏:‏ أصل السلق بسط العضو ومده للقهر سواء كان يداً أو لساناً فسلق اللسان بإعلان الطعن والذم وفسر السلق هنا بالضرب مجازاً كما قيل للذم طعن، والحامل عليه توصيف الألسنة بحداد، وجوز أن يشبه اللسان بالسيف ونحوه على طريق الاستعارة المكنية ويثبت له السلق بمعنى الضرب تخييلاً، وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس رضي الله تعالى عنه عن السلق في الآية فقال‏:‏ الطعن باللسان قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ فقال‏:‏ نعم أما سمعت قول الأعشى‏:‏

فيهم الخصب والسماحة والنجدة *** فيهم والخاطب المسلاق

وفسره الزجاج بالمخاطبة الشديدة قال‏:‏ معنى سلقوكم خاطبوكم أشد مخاطبة وأبلغها في الغنيمة يقال‏:‏ خطيب مسلاق وسلاق إذا كان بليغاً في خطبته، واعتبر بعضهم في السلق رفع الصوت وعلى ذلك جاء قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ليس منا من سلق أو حلق» قال في النهاية أي رفع صوته عند المصيبة، وقيل‏:‏ أن تصك المرأة وجهها وتمرشه، والأول أصح، وزعم بعضهم أن المعنى في الآية بسطوا ألسنتهم في مخادعتكم بما يرضيكم من القول على جهة المصانعة والمجاملة، ولا يخفى ما فيه، وقرأ ابن أبي عبلة ‏{‏صلقوكم‏}‏ بالصاد‏.‏

‏{‏حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الخير‏}‏ أي بخلاء حريصين على مال الغنائم على ما روى عن قتادة، وقيل‏:‏ على ما لهم الذين ينفقونه، وقال الجبائي‏:‏ أي بخلاء بأن يتكلموا بكلام فيه خير، وذهب أبو حيان إلى عموم الخير‏.‏ ونصب ‏{‏أَشِحَّةً‏}‏ على الحال من فاعل ‏{‏سَلَقُوكُم‏}‏ أو على الذم، ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة ‏{‏أَشِحَّةً‏}‏ بالرفع لأنه عليه خبر مبتدأ محذوف أي هم ‏{‏أَشِحَّةً‏}‏ والجملة مستأنفة لا حالية كما هو كذلك على الذم، وغاير بعضهم بين الشح هنا والشح فيما مر بأن ما هنا مقيد بالخير المراد به مال الغنيمة وما مر مقيد بمعاونة المؤمنين ونصرتهم أو بالانفاق في سبيل الله تعالى فلا يتكرر هذا مع ما سبق، والزمخشري لما ذهب إلى ما ذهب هناك، قال هنا‏:‏ فإذا ذهب الخوف وحيزت الغنائم ووقعت القسمة نقلوا ذلك الشح وتلك الحالة الأولى واجترؤا عليكم وضربوكم بألسنتهم الخ، وقد سمعت ما قال بعض الأجلة في ذلك‏.‏

ويمكن أن يقال في الفرق بين هذا وما سبق‏:‏ إن المراد مما سبق ذمهم بالبخل بكل ما فيه منفعة أو بنوع منه على المؤمنين ومن هذا ذمهم بالحرص على المال أو ما فيه منفعة مطلقاً من غير نظر إلى كون ذلك على المؤمنين أو غيرهم وهو أبلغ في ذمهم من الأول ‏{‏أولئك‏}‏ الموصوفون بما ذكر من صفات السوء ‏{‏لَمْ يُؤْمِنُواْ‏}‏ بالإخلاص فإنهم المنافقون الذين أظهروا الايمان وأبطنوا في قلوبهم الكفر ‏{‏فَأَحْبَطَ الله أعمالهم‏}‏ أي أظهر بطلانها لأنها باطلة منذ عملت إذ صحتها مشروط بالايمان وبالإخلاص وهم مبطنون الكفر وفي «البحر» أي لم يقبلها سبحانه فكانت كالمحبطة وعلى الوجهين المراد بالأعمال العبادات المأمور بها، وجوزأن يكون المراد بها ما عملوه نفاقاً وتصنعاً وإن لم يكن عبادة، والمعنى فأبطل عز وجل صنعهم ونفاقهم فلم يبق مستتبعاً لمنفعة دنيوية أصلاً‏.‏

وحمل بعضهم الأعمال على العبادات والإحباط على ظاهره بناء على ما روى عن ابن زيد عن أبيه قال نزلت الآية في رجل بدري نافق بعد بدر ووقع منه ما وقع فأحبط الله تعالى عمله في بدر وغيرها، وصيغة الجمع تبعد ذلك وكذا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَمْ يُؤْمِنُواْ‏}‏ فإن هذا كما هو ظاهر هذه الرواية قد آمن قبل، وأيضاً قوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏"‏ لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ‏"‏ يأبى ذلك فالظاهر والله تعالى أعلم أن هذه الرواية غير صحيحة‏.‏

‏{‏وَكَانَ ذلك‏}‏ أي الاحباط ‏{‏عَلَى الله يَسِيراً‏}‏ أي هيناً لا يبالي به ولا يخاف سبحانه اعتراضاً عليه، وقيل‏:‏ أي هيناً سهلاً عليه عز وجل، وتخيص يسره بالذكر مع أن كل شيء عليه تعالى يسير لبيان أن أعمالهم بالاحباط المذكور لكمال تعاضد الحكم المقتضية له وعدم مانع عنه بالكلية، وقيل‏:‏ ذلك إشارة إلى حالهم من الشح ونحوه، والمعنى كان ذلك الحال عليه عز وجل هيناً لا يبالي به ولا يجعله سبحانه سبباً لخذلان المؤمنين وليس بذاك، والمقصود مما ذكر التهديد والتخويف‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏20‏]‏

‏{‏يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏20‏)‏‏}‏

‏{‏يَحْسَبُونَ الاحزاب لَمْ يَذْهَبُواْ‏}‏ أي هم من الجزع والدهشة لمزيد جبنهم وخوفهم بحيث هزم الله تعالى الأحزاب فرحلوا وهم يظنون أنه لم يرحلوا، وقيل‏:‏ المراد هؤلاء لجبنهم يحسبون الأحزاب لم ينهزموا وقد انهزموا فانصرفوا عن الخندق راجعين إلى المدينة لذلك، وهذا إن صحت فيه رواية فذاك وإلا فالظاهر أنه مأخوذ من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والقائلين لإخوانهم هَلُمَّ إِلَيْنَا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 18‏]‏ لدلالته ظاهراً على أنهم خارجون عن معسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يحثون إخوانهم على اللحاق بهم، وكون المراد هلموا إلى رأينا أو إلى مكاننا الذي هو في طرف لا يصل إليه السهم خلاف الظاهر، وكذا من قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ‏}‏ على ما هو الظاهر أيضاً إذ يبعد حمله على اتحاد المكان ولو في الخندق ‏{‏وَإِن يَأْتِ الاحزاب‏}‏ كرة ثانية ‏{‏يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِى الاعراب‏}‏ تمنوا أنهم خارجون إلى البد وحاصلون مع الأعراب وهم أهل العمود، وقرأ عبد الله‏.‏ وابن عباس‏.‏ وابن يعمر‏.‏ وطلحة ‏{‏بدي‏}‏ جمع باد كغاز وغزى وليس بقياس في معتل اللام وقيام فعلة كقاض وقضاة؛ وفي رواية أخرى عن ابن عباس ‏{‏بدوا‏}‏ فعلاً ماضياً، وفي رواية صاحب الإقليد ‏{‏بدي‏}‏ بوزن عدي ‏{‏وَهُمْ يُسْئَلُونَ‏}‏ أي كل قادم من جانب المدينة ‏{‏عَنْ أَنبَائِكُمْ‏}‏ عما جرى عليكم من الأحزاب يتعرفون أحوالكم بالاستخبار لا بالمشاهدة فرقاً وجبناً، واختيار البداوة ليكونوا سالمين من القتال، والجملة في موضع الحال من فاعل بادون، وحكى ابن عطية أن أبا عمرو‏.‏ وعاصماً‏.‏ والأعمش ‏{‏قرؤا‏}‏ يسلون بغير همز نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الامور سَلْ بَنِى إسراءيل‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 211‏]‏ ولم يعرف ذلك عن أبي عمرو وعاصم، ولعل ذلك في شاذهما ونقلها «صاحب اللوامح» عن الحسن‏.‏ والأعمش، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما‏.‏ وقتادة‏.‏ والجحدري‏.‏ والحسن‏.‏ ويعقوب بخلاف عنهما ‏{‏يساءلون‏}‏ بتشديد السين والمد وأصله يتساءلون فأدغمت التاء في السين أي يسأل بعضهم بعضاً أي قول بعضهم لبعض‏:‏ ماذا سمعت وماذا بغلك‏؟‏ أو يتساءلون الإعراب أي يسألونهم كما تقول‏:‏ رأيت الهلال وتراءيته وأبصرت زيداً وتباصرته ‏{‏أَنبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ‏}‏ أي في هذه الكرة المفروضة بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن يَأْتِ الاحزاب أَوْ لَّوْ كَانُواْ فيكُمْ‏}‏ في الكرة الأولى السابقة ولم يرجعوا إلى داخل المدينة وكانت محاربة بالسيوف ومبارزة الصفوف ‏{‏مَّا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً‏}‏ رياء وسمعة وخوفاً من التعبير قال مقاتل والجياني والبعلبكي‏:‏ هو قليل من حيث هو رياء ولو كان الله تعالى كان كثيراً‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏21‏]‏

‏{‏لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ‏(‏21‏)‏‏}‏

‏{‏لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ‏}‏ الظاهر أن الخطاب للمؤمنين الخلص المخاطبين من قبل في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏عَنْ أَنبَائِكُمْ‏}‏ وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ‏}‏‏.‏

والأسوة بكسر الهمزة كما قرأ الجمهور وبضمها كما قرأ عاصم الخصلة، وقال الراغب‏:‏ الحالة التي يكون عليها الإنسان وهي اسم كان و‏{‏لَكُمْ‏}‏ الخبر و‏{‏فِى رَسُولِ الله‏}‏ متعلق بما تعلق به ‏{‏لَكُمْ‏}‏ أو في موضع من ‏{‏أُسْوَةٌ‏}‏ لأنه لو تأخر جاز أن يكون نعتاً لها أو متعلق بكان على مذهب من أجاز فيها ناقصة وفي أخواتها أن تعمل في الظرف، وجوز أن يكون في رسول الله الخبر ولكن تبيين أي أعني لكم أي والله لقد كان لكم في رسول الله خصلة حسنة من حقها أن يؤتسى ويقتدى بها كالثبات في الحرب ومقاساة الشدائد؛ ويجوز أن يراد بالأسوة القدوة بمعنى المقتدى على معنى هو صلى الله عليه وسلم في نفسه قدوة يحسن التأسي به، وفي الكلام صنعة التجريد وهو أن ينتزع من ذي صفة آخر مثله فيها مبالغة في الاتصاف نحو لقيت منه أسداً وهو كما يكون بمعنى من يكون بمعنى في كقوله‏:‏

أراقت بنو مروان ظلماً دماءنا *** وفي الله إن لم يعدلوا حكم عدل

وكقوله‏:‏ في البيضة عشرون منا حديد أي هي في نفسها هذا القدر من الحديد، والآية وإن سيقت للاقتداء به عليه الصلاة والسلام في أمر الحرب من الثبات ونحوه فهي عامة في كل أفعاله صلى الله عليه وسلم إذا لم يعلم أنها من خصوصياته كنكاح ما فوق أربع نسوة؛ أخرج ابن ماجه‏.‏ وابن أبي حاتم عن حفص بن عاصم قال‏:‏ قلت لعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما رأيتك في السفر لا تصلي قبل الصلاة ولا بعدها فقال يا ابن أخي صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا فلم أره يصلي قبل الصلاة ولا بعدها ويقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ‏}‏ وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن قتادة قال‏:‏ هم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن ينهى عن الحبرة فقال رجل‏:‏ أليس قد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها‏؟‏ قال عمر‏:‏ بلى قال الرجل‏:‏ ألم يقل الله تعالى‏:‏ ‏{‏لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ‏}‏ فترك ذلك عمر رضي الله تعالى عنه‏.‏

وأخرج الشيخان‏.‏ والنسائي‏.‏ وابن ماجه‏.‏ وغيرهم عن ابن عمر أنه سئل عن رجل معتمر طاف بالبيت أيقع على امرأته قبل أن يطوف بين الصفا والمروة فقال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت وصلى خلف المقام ركعتين وسعى بين الصفا والمروة ثم قرأ ‏{‏لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ‏}‏‏.‏

وأخرج الشيخان‏.‏ وغيرهما عن ابن عباس قال‏:‏ إذا حرم الرجل عليه امرأته فهو يمين يكفرها، وقال ‏{‏لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ‏}‏ إلى غير ذلك من الاخبار، وتمام الكلام في كتب الأصول‏.‏

‏{‏لّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الاخر‏}‏ أي يؤمل الله تعالى وثوابه كما يرمز إليه أثر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وعليه يكون قد وضع ‏{‏اليوم الاخر‏}‏ بمعنى يوم القيامة موضع الثواب لأن ثوابه تعالى يقع فيه فهو على ما قال الطيبي من إطلاق اسم المحل على الحال، والكلام نحو قولك‏:‏ أرجو زيداً وكرمه مما يكون ذكر المعطوف عليه فيه توطئة للمعطوف وهو المقصود وفيه من الحسن والبلاغة ما ليس في قولك‏:‏ أرجو زيداً كرمه على البدلية‏:‏ وقال «صاحب الفرائد»، يمكن أن يكون التقدير يرجو رحمة الله أو رضا الله وثواب اليوم الآخر ففي الكلام مضا فإن مقدران، وعن مقاتل أي يخشى الله تعالى ويخشى البعث الذي فيه جزاء الأعمال على أنه وضع اليوم الآخر موضع البعث لأنه يكون فيه، والرجاء عليه بمعنى الخوف، ومتعلق الرجاء بأي معنى كان أمر من جنس المعاني لأنه لا يتعلق بالذوات، وقدر بعضهم المضاف إلى الاسم الجليل لفظ أيام مراداً بها الوقائع فإن اليوم يطلق على ما يقع فيه من الحروب والحوادث واشتهر في هذا حتى صار بمنزلة الحقيقة وجعل قرينة هذا التقدير المعطوف وجعل العف من عطف الخاص على العام، والظاهر أن الرجاء على هذا بمعنى الخوف، وجوز أن يكون الكلام عليه كقوله‏:‏ أرجو زيداً وكرمه‏.‏ وأن يكون الرجاء فيه بمعنى الأمل إن أريد ما في اليوم من النصر والثواب، وأن يكون بمعنى الخوف والأمل معاً بناء على جواز استعمال اللفظ في معنييه أو في حقيقته ومجازه وإرادة ما يقع فيه من الملائم والمنافر، وعندي أن تقدير أيام غير متبادر إلى الفهم، وفسر بعضهم ‏{‏اليوم الاخر‏}‏ بيوم السياق والمتبادر منه يوم القيامة و‏{‏مِنْ‏}‏ على ما قيل بدل من ضمير الخطاب في ‏{‏لَكُمْ‏}‏ وأعيد العامل للتأكيد وهو بدل كل من كل والفائدة فيه الحث على التأسي، وإبدال الاسم الظاهر من ضمير المخاطب هذا الإبدال جائز عند الكوفيين‏.‏ والأخفش، ويدل عليه قوله‏:‏

بكم قريش كفينا كل معضلة *** وام نهج الهدى من كان ضليلاً

ومنع ذلك جمهور البصريين‏:‏ ومن هنا قال «صاحب التقريب»، هو بدل اشتمال أو بدل بعض من كل، ولا يتسنى إلا على القول بأن الخطاب عام وهو مخالف للظاهر كما سمعت، ومع هذا يحتاج إلى تقدير منكم، وقال أبو البقاء‏:‏ يجوز أن يكون لمن متعلقاً بحسنة أو بمحذوف وقع صفة لها لأنه وقع بعد نكرة، وقيل‏:‏ يجوز أن يكون صفة لأسوة‏.‏

وتعقب بأن المصدر الموصوف لا يعمل فيما بعد وصفه، وكذا تعدد الوصف بدون العطف لا يصح، وقد صرح بمنع ذلك الإمام الواحدي، ولا يخفى أن المسألة خلافية فلا تغفل‏.‏

‏{‏وَذَكَرَ الله كَثِيراً‏}‏ أي ذكراً كثيراً وقرن سبحانه بالرجاء كثرة الذكر لأن المثابرة على كثرة ذكره عز وجل تؤدى إلى ملازمة الطاعة وبها يتحقق الائتساء برسول الله صلى الله عليه وسلم ومما ينبغي أن يعلم أنه قد صرح بعض الأجلة كالنووي إن ذكر الله تعالى المعتبر شرعاً ما يكون في ضمن جملة مفيدة كسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ونحو ذلك وما لا يكون بمفرد لا يعد شرعاً ذكراً نحو الله أو قادر أو سميع أو بصير إذا لم يقدر هناك ما يصير به اللفظ كلاماً، والناس عن هذا غافلون، وأنهم أجمعوا على أن الذكر المتبعد بمعناه لا يثاب صاحبه ما لم يستحضر معناه فالمتلفظ بنحو سبحان الله ولا إله إلا الله إذا كان غافلاً عن المعنى غير ملاحظ له ومستحضراً إياه لا يثاب إجماعاً، والناس أيضاً عن هذا غافلون فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏22‏]‏

‏{‏وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ‏(‏22‏)‏‏}‏

‏{‏وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الاحزاب‏}‏ بيان لما صدر عن خلص المؤمنين عند اشتباه الشؤن واختلاط الظنون بعد حكاية ما صدر عن غيرهم أي لما شاهدوهم حسبما وصفوا لهم ‏{‏قَالُواْ هذا‏}‏ إشارة عند المحققين إلى ما شاهدوه من غير أن يخطر ببالهم لفظ يدل عليه فضلاً عن تذكيره وتأنيثه فإنهما من أحكام اللفظ نعم يجوز التذكير باعتبار الخبر الذي هو ‏{‏مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ‏}‏ فإن ذلك العنوان أول ما يخظر ببالهم عند المشاهدة‏.‏ وعند الأكثر إشارة إلى الخطب والبلاء، و‏{‏مَا‏}‏ موصولة عائدها محذوف وهو المفعول الثاني لوعد أي الذي وعدناه الله، وجوز أن تكون مصدرية أي هذا وعد الله تعالى ورسوله إياناً وأرادوا بذلك ما تضمنه قوله تعالى في سورة البقرة‏:‏ ‏{‏أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البأساء والضراء‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 4 21‏]‏ كما أخرج ذلك ابن جرير‏.‏ وابن مردويه‏.‏ والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأخرجه جماعة عن قتادة أيضاً ونزلت آية البقرة قبل الواقعة بحول على ما أخرجه جويبر عن الضحاك عن الحبر رضي الله تعالى عنه‏.‏

وفي البحر عن ابن عباس قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه‏:‏ إن الأحزاب سائرون إليكم تسعاً أو عشراً أي في آخر تسع ليال أو عشر أي من وقت الأخبار أو من غرة الشهر فلما رأوهم قد اقبلوا للميعاد قالوا ذلك فمرادهم بذلك ما وعد بهذا الخبر‏.‏ وتعقبه ابن حجر بأنه لم يوجد في كتب الحديث‏.‏ وقرىء بإمالة الراء من ‏{‏رَأْىَ‏}‏ نحو الكسرة وفتح الهمزة وعدم امالتها، وروي إمالتهما وإمالة الهمزة دون الراء على تفصيل فيه في النشر فليراجع ‏{‏وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ‏}‏ الظاهر أنه داخل في حيز القول فجوز أن يكون عطفاً على جملة ‏{‏هذا مَا وَعَدَنَا‏}‏ الخ أو على صلة الموصول وهو كما ترى، وأن يكون في موضع الحال بتقدير قد أو بدونه‏.‏

وأياً ما كان فالمراد ظهر صدق خبر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لأن الصدق محقق قبل ذلك والمترتب على رؤية الأحزاب ظهوره، وجوز أن يكون المعنى وصدق الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام في النصرة والثواب كما صدق الله تعالى ورسوله في البلاء، والإظهار مع سبق الذكر للتعظيم ولأنه لو اضمر وقيل وصدق جاء الجمع بين الله تعالى وغيره في ضمير واحد والأول تركه أو قيل وصدق هو ورسوله بقي الإظهار في مقام الإضمار فلا يندفع السؤال كذا قيل، وحديث الجمع قد مر ما فيه ‏{‏وَمَا زَادَهُمْ‏}‏ أي ما رأوا المفهوم من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَمَّا رَأَى المؤمنون‏}‏ الخ ورجوع الضمير إلى المصدر المفهوم من ‏{‏رَأْىَ‏}‏ يعكر عليه التذكير، وأرجعه بعضهم إلى الشهود المفهوم من ذلك، وجوز رجوعه إلى الوعد أو الخطب والبلاء المفهومين من السياق أو الإشارة‏.‏

وقرأ ابن أبي هبلة ‏{‏وَمَا زَادُوهُمْ‏}‏ بضمير الجمع العائد على الأحزاب ‏{‏إِلاَّ إِيمَانًا‏}‏ بالله تعالى وبمواعيده عز وجل ‏{‏وَتَسْلِيماً‏}‏ لأوامره جل شأنه وإقداره سبحانه، واستدل بالآية على جواز زيادة الإيمان ونقصه‏.‏ ومن أنكر قال‏:‏ إن الزيادة فيما يؤمن به لا في نفس الإيمان والبحث في ذلك مشهور وفي كتب الكلام على أبسط وجه مسطور‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏23‏]‏

‏{‏مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ‏(‏23‏)‏‏}‏

‏{‏مِنَ المؤمنين‏}‏ أي المؤمنين بالاخلاص مطلقاً لا الذين حكيت محاسنهم خاصة ‏{‏رِجَالٌ‏}‏ أي رجال ‏{‏صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ‏}‏ من الثبات مع الرسول صلى الله عليه وسلم والمقاتلة للإعداء، وقيل‏:‏ من الطاعات مطلقاً ويدخل في ذلك ما ذكر دخولاً أولياً، وسبب النزول ظاهر في الأول‏.‏

أخرج الإمام أحمد‏.‏ ومسلم‏.‏ والترمذي‏.‏ والنسائي‏.‏ وجماعة عن أنس قال‏:‏ غاب عمى أنس بن النضر عن بدر فشق عليه وقال‏:‏ أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم غبت عنه لئن أراني الله تعالى مشهداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بعد ليرين الله تعالى ما أصنع فشهد يوم أحد فاستقبله سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه فقال‏:‏ يا أبا عمرو أين‏؟‏ قال‏:‏ واهاً لريح الجنة أجدها دون أحد فقاتل حتى قتل فوجد في جسده بضع وثمانون من ضربة وطعنة ورمية ونزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏مّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ‏}‏ وكانوا يرون إنها نزلت فيه وأصحابه‏.‏ وفي الكشاف نذر رجال من الصحابة أنهم إذا لقوا حرباً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبتوا وقاتلوا حتى يستشهدوا أي نذروا الثبات التام والقاتل الذي يفضي بحسب العادة إلى نيل الشهادة وهم عثمان بن عفان‏.‏ وطلحة بن عبيد الله‏.‏ وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل‏.‏ وحمزة‏.‏ ومصعب بن عمير‏.‏ وغيرهم‏.‏ وعن الكلبي ومقاتل إن هؤلاء الرجال هم أهل العقبة السبعون أهل البيعة، وقال يزيد بن رومان‏:‏ هم بنو حارثة والمعول عليه عندي ما قدمته، ومعنى ‏{‏صَدَقُواْ‏}‏ أتوا بالصدق من صدقني إذا قال الصدق، ومحل ‏{‏مَا عاهدوا‏}‏ النصب إما على نزع الخافض وهو في وايصال الفعل إليه كما في قولهم صدقني سن بكرة على رواية النصب أي في سن بكره والمفعول محذوف والأصل صدقوا الله فيما عاهدوه، وإما على أنه هو المفعول الصريح‏.‏

وجعل ما عاهدوا عليه بمنزلة شخص معاهد على طريق الاستعارة المكنية وجعله مصدوقاً تخييل وعلى الإسناد المجازي ‏{‏فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ‏}‏ تفصيل لحال الصادقين وتقسيم لهم إلى قسمين، والنحب على ما قال الراغب النذر المحكوم بوجوبه يقال‏:‏ قضى فلان نحبه أي وفى بنذره‏.‏ وقال أبو حيان‏:‏ النذر الشيء الذي يلتزمه الإنسان ويعتقد الوفاء قال الشاعر‏:‏

عشية فر الحارثيون بعدما *** قضى نحيه في ملتقى القوم هوبر

وقال جرير‏:‏

بطخفة جالدنا الملوك وخيلنا *** عشية بسطام جرين على نحب

أي على أمر عظيم التزم القيامة به‏.‏ وشاع قضى فلان نحبه بمعنى مات إما على أن النحب مستعار استعارة تصريحية للموت لأنه كنذر لازم في رقبة كل إنسان والقرينة حالية والقضاء ترشيح، وأما على أن قضاء النحب مستعار له‏.‏

وجوز أن يراد بالنحب في الآية النذر وأن يراد الموت، وقال بعض الأجلة يجوز أن يكون مستعاراً لالتزام الموت شهيداً أما بتنزيل التزام أسبابه التي هي أفعال اختيارية للناذر منزلة التزام نفسه، وإما بتنزيل نفسه منزلة أسبابه وإيراد الالتزام عليه وهو الأنسب بمقام المدح، وجعله استعارة للموت لأنه كنذر لازم مسخ للاستعارة وإذ هاب برونقها وإخراج للنظم الكريم عن مقتضى المقام بالكلية انتهى، وفيه منع ظاهر كما لا يخفى على المنصف‏.‏

والذي يقتضيه ظاهر بعض الأخبار أن النحب هنا بمعنى النذر وقضاؤه أداؤه والوفاء به، فقد أخرج ابن أبي عاصم‏.‏ والترمذي وحسنه‏.‏ وابن جرير‏.‏ والطبراني‏.‏ وابن مردويه عن طلحة أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا لأعرابي جاهل‏:‏ سله عمن قضى نحبه من هو‏؟‏ وكانوا لا يجترؤون على مسألته يوقرونه ويهابونه فسأله الأعرابي ثم إني اطلعت من باب المسجد، فقال‏:‏ أين السائل عمن قضى نحبه‏؟‏ قال الأعرابي‏:‏ أنا قال‏:‏ هذا ممن قضى نحبه‏.‏ وأخرج ابن منده‏.‏ وابن عساكر عن أسماء بنت أبي بكر قالت‏:‏ دخل طلحة بن عبيد الله على النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا طلحة أنت ممن قضى نحبه، وأخرج الحاكم عن عائشة نحوه‏.‏

وأخرج الترمذي‏.‏ وغيره عن معاوية أنه قال‏:‏ سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول‏:‏ طلحة ممن قضى نحبه، وكأن علياً كرم الله تعالى وجهه عني مدحه بذلك في قوله وقد قيل له حدثنا عن طلحة‏:‏ ذاك أمرؤ نزل فيه آية من كتاب الله ‏{‏فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ‏}‏ وقد أخرج ذلك عنه كرم الله تعالى وجهه أبو الشيخ‏.‏ وابن عساكر؛ وكان رضي الله تعالى عنه قد ثبت يوم أحد حتى أصيبت يده، وإلى حمل النحب على حقيقته ذهب مجاهد فالمعنى منهم من وفي بعهده وأدى نذره ‏{‏وَمِنْهُمُ‏}‏ أي وبعضهم ‏{‏مَّن يَنتَظِرُ‏}‏ يوماً فيه جهاد فيقضي نحبه ويؤدي نذره ويفي بعهده، ومن حمل ما عاهدوا الله تعالى على العموم وأبقى النحب على حقيقته قال‏:‏ المعنى منهم من وفي بعهود الإسلام وما يلزم من الطاعات ومنهم من ينتظر الحصول في أعلا مراتب الإيمان والصلاح، واستشكل إبقاء النحب على حقيقته لأن وفاء النذر عين صدق العهد فيكون مآل المعنى من المؤمنين رجال عاهدوا الله تعالى وصدقوا أي فعلوا ووفوا بما عاهدوا الله تعالى عليه فمنهم من فعل ووفى بما عاهد، وفيه تقسيم الشيء إلى نفسه، ويشكل على هذا المعنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ‏}‏ لأن المنتظر غير واف فكيف يجعل قسماً من الذين صدقوا أي وفوا‏.‏ وأجيب بأن المراد بالصدق في الآية مطابقة النسبة الكلامية للنسبة الخارجة وهذا الكلام المتضمن لهذه النسبة هو ما اقتضاه عهدهم على الثبات من نحو قولهم‏:‏ لئن أرانا الله مشهداً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لنثبتن ولنقاتلن، واتصاف الخبر بالصدق وكذا المخبر به لا يقتضي أكثر من مطابقة نسبته للواقع في أحد الأزمنة فنحو يقوم زيد صادق وكذا المخبر به وقت الأخبار به وإن كان وقوع القيام بعد ألف سنة مثلاً، وكذا نحو إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود صادق وإن كان التكلم به ليلاً فهؤلاء الرجال لما أخبروا عن أنفسهم إنهم أن أراهم الله تعالى مشهداً مع رسوله عليه الصلاة والسلام ثبتوا وقاتلوا وعلم سبحانه أن هذا مطابق للواقع أخبر تعالى عنهم بأنهم صدقوا ثم قسمهم عز وجل إلى قسمين قسم أدى ما أخبر عن نفسه أنه يؤديه وقسم ينتظر وقتاً يؤديه فيه، ولا يتصف هذا القسم بالكذب إلا إذا مات وقد أراه الله تعالى ذلك ولم يؤد، ومن أخبر الله تعالى عنهم بالصدق ما ماتوا حتى أدوا فلا إشكال‏.‏

نعم الإشكال على تقدير أن يراد بالصدق فيما عاهدوا تحقيق العهد فيما أظهروه من أفعالهم كما فسره الراغب ويراد من قضاء النحب وفاء النذر أو العهد كما لا يخفى، وقيل‏:‏ المراد بصدقهم المذكور مطابقة ما في ألسنتهم لما في قلوبهم على خلاف المنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم‏.‏ ولا إشكال في التقسيم حينئذ‏.‏ وقيل‏:‏ الصدق بالمعنى المشهور بين الجمهور إلا أن المراد بصدقوا يصدقون، وعبر عن المضارع بالماضي لتحقق الوقوع، وكلا القولين كما ترى‏.‏ وعن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله عالى‏:‏ ‏{‏قضى نَحْبَهُ‏}‏ فقال‏:‏ أجله الذي قدر له فقال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم أما سمعت قول لبيد‏:‏

ألا تسألان المرء ماذا يحاول *** أنحب فيقضي أم ضلال وباطل

وأخرج جماعة عنه أنه فسر ذلك بالموت، وروي نحوه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وعليه لا مانع من أن يراد بصدقوا ما عاهدوا الله عليه كما ذكر عن الراغب حققوا العهد فيما أظهروه من أفعالهم، فيكون المعنى من المؤمنين رجال عاهدوا الله تعالى على الثبات والقتال إذا لقوا حرباً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وحققوا ذلك وثبتوا فمنهم من مات ومن منهم من ينتظر الموت، والذي يقتضيه السياق أن المراد قضى نحبه ثابتاً بأن يكون قد استشهد كانس بن النضر‏.‏ ومصعب بن عمير، ويحتمل أن يراد ما أعم من ذلك فيدخل من مات بعد الثبات حتف انفه قبل نزول الآية إن كان هنالك من هو كذلك، وعدوا ممن ينتظر عثمان‏.‏ وطلحة وأول ما ورد في طلحة من أنه ممن قضى نحبه بأن المراد أنه في حكم من استشهد، وأوجبوا ذلك فيما أخرج سعيد بن منصور‏.‏

وأبو يعلى‏.‏ وابن المنذر‏.‏ وأبو نعيم وابن مردويه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «من سره أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض قد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة» وأخرج ابن مردويه من حديث جابر بن عبد الله مثله‏.‏

وفي إرشاد العقل السليم عن عائشة بلفظ «من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي في الأرض، وقد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة» وفي مجمع البيان عن أبي اسحق عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال‏:‏ نزلت فينا ‏{‏رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ‏}‏ الآية وأنا والله المنتظر، وفي وصفهم بالانتظار المنبىء عن الرغبة في المنتظر شهادة حقه بكمال اشتياقهم إلى الشهادة، وقيل‏:‏ إلى الموت مطلقاً حبا للقاء الله تعالى ورغبة فيما عنده عز وجل ‏{‏وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً‏}‏ عطف على ‏{‏صَدَقُواْ‏}‏ وفاعله أي وما بدلوا عهده وما غيروه تبديلاً ما لا أصلاً ولا وصفا بل ثبتوا عليه راغبين فيه مراعين لحقوقه على أحسن ما يكون، أما الذين قضوا فظاهر، وأما الباقون فيشهد به انتظارهم أصدق شهادة، وتعميم عدم التبديل للفريق الأول مع ظهور حالهم للإيذان بمساواة الفريق الثاني لهم في الحكم، وجوز أن يكون ضمير ‏{‏بَدَّلُواْ‏}‏ للمنتظرين خاصة بناء على أن المحتاج إلى البيان حالهم، وفي الكلام تعريض بمن بدل من المنافقين حيث ولوا الادبار وكانوا عاهدوا لا يولون الأدبار فكأنه قيل‏:‏ وما بدلوا تبديلاً كما بدل المنافقون فتأمل جميع ذاك والله تعالى يتولى هداك‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏24‏]‏

‏{‏لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ‏(‏24‏)‏‏}‏

‏{‏لّيَجْزِىَ الله الصادقين‏}‏ أي الذين صدقوا ما عدوا الله تعالى عليه ‏{‏بِصِدْقِهِمْ‏}‏ أي بسبب صدقهم، وصرح بذلك مع أنه يقتضيه تعليقه الحكم بالمشتق اعتناء بأمر الصدق، ويكتفى بما يقتضيه التعليق في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيُعَذّبَ المنافقين‏}‏ لأنه الأصل ولا داعي إلى خلافه، والمراد ويعذب المنافقين بنفاقهم ‏{‏إِن شَاء‏}‏ أي تعذيبهم ‏{‏أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ‏}‏ أي فلا يعذبهم بل يرحمهم سبحانه إن شاء عز وجل كذا قيل، وظاهره أن كلا من التعذيب والرحمة للمنافقين يوم القيامة ولو ماتوا على النفاق معلق بمشيئته تعالى‏.‏ واستشكل بأن النفاق أقبح الكفر كما يؤذن به قوله تعالى ‏{‏إِنَّ المنافقين فِى الدرك الاسفل مِنَ النار‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 5 14‏]‏ وقد أخبر عز وجل أنه سبحانه يعذب الكفرة مطلقاً حتماً لا محالة فكيف هذا التعلق‏.‏ وأجيب أنه لا إشكال فإن الله جل جلاله لا يجب عليه شيء والتعليق لذلك فهو جل شأنه إن شاء عذب المنافق وإن شاء رحمه لكن المتحقق أنه تبارك وتعالى شاء تعذيبه ولم يشأ رحمته فكأنه قيل‏:‏ إن شاء يعذب المنافقين في الآخرة لكنه سبحانه شاء تعذيبهم فيما أو يتوب عليهم إن شاء لكنه جل وعلا لم يشاء، ورفع مقدم الشرطية الثانية في مثل هذه القضية ينتج رفع التالي، وإنما لم تقيد مجازاة الصادقين بالمشيئة كما قيد تعذيب المنافقين والتوبة عليهم بها مع أنه تعالى إن شاء يجزي الصادقين وإن شاء لم يجزهم لمكان نفي وجوب شيء عليه تعالى لمجموع أمرين هما تحقق مشيئة المجازاة وكون الرحمة مقصودة بالذات بخلاف العذاب، وكأنه سبحانه لهذا الأخير لم يقل ليثيب أو لينعم وقال سبحانه في المقابل‏:‏ «ويعذب» وقال بعض الأجلة‏:‏ إن التوبة عليهم مشروطة بتوبتهم ومعنى توبته تعالى على العباد قبول توبتهم فكأنه قيل‏:‏ أو يقبل توبتهم إن تابوا، وحذف الشرط لظهور استلزام المذكور له، ويجوز أن تفسر توبته تعالى عليهم بتوفيقه تعالى إياهم للتوبة إليه سبحانه، وكلا هذين المعنيين لتوبته تعالى وارد كما في القاموس، وأياً ما كان فالأمر معلق بالمشيئة ضرورة أنه لا يجب عليه سبحانه قبول التوبة ولا التوفيق لها، والمراد من تعليق تعذيب المنافقين بالمشيئة أنه تعالى إن شاء عذبهم بإبقائهم منافقين وإن شاء سبحانه لم يعذبهم بأن يسلب عنهم وصف النفاق بالتوفيق إلى الإخلاص في الإيمان‏.‏

وقال ابن عطية‏:‏ تعذيب المنافقين ثمرة إقامتهم على النفاق وموتهم عليه والتوبة موازنة لتلك الإقامة وثمرتها تركهم بلا عذاب فهناك أمران‏:‏ إقامة على النفاق‏.‏ وتوبة منه وعنها ثمرتان تعذيب ورحمة فذكر تعالى على جهة الإيجاز واحدة من هاتين وواحدة من هاتين ودل ما ذكر على ما ترك ذكره، ويدلك على أن معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لّيُعَذّبَ‏}‏ ليديم على النفاق قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِن شَاء‏}‏ ومعادلته بالتوبة وحرف ‏{‏أَوْ‏}‏ انتهى، وأراد بذلك حل الإشكال، وكأن ما ذكره يؤل إلى أن التقدير ليقيموا على النفاق فيموتوا عليه إن شاء فيعذبهم أو يتوب عليهم فيرحمهم فحذف سبب التعذيب وأثبت المسبب وهو التعذيب وأثبت سبب الرحمة والغفران وحذف المسبب وهو الرحمة والغفران وذلك من قبيل الاحتياك، قال في البحر‏:‏ وهذا من الإيجاز الحسن، وقال السدى‏:‏ المعنى ويعذب المنافقين إن شاء أن يميتهم على نفاقهم أو يتوب عليهم بنقلهم من النفاق إلى الإيمان، وكأنه جعل مفعول المشيئة الإماتة على النفاق دون التعذيب كما هو الظاهر لما سمعت من استشكال تعليق تعذيبهم بالمشيئة مع أنه متحتم، وقيل لذلك أيضاً‏:‏ إن المراد يعذبهم في الدنيا إن شاء أو يتوب عليهم فلا يعذبهم فيها، وحكى هذا عن الجبائي والكلام عليه في غاية الظهور، وقد يقال‏:‏ المراد بالمنافقين الجماعة المخصوصون القائلون

‏{‏مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 12‏]‏ على أن ذلك كالاسم لهم فلا يلاحظ فيه مبدأ الاشتقاق ولا يجعل علة للحكم بل العلة له ما يفهم من سياق الكلام فيكون المعلق بالمشيئة تعذيب أناس مخصوصين ويكون المعنى يعذب فلاناً وفلاناً مثلاً إن شاء بأن يميتهم سبحانه مصرين على ما هم عليه مما يقتضي التعذيب أو يتوب عليهم بأن يوفقهم للتوبة فيرحمهم، ويجوز أن يراد بالصادقين نحو هذا وحينئذ يكون قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏يصدقهم‏}‏ تصريحاً بما يفهم من السياق، ويفهم من كلام شيخ الإسلام أن ذكر الصدق وحده من باب الاكتفاء حيث قال في معنى الآية‏:‏ ليجزي الله الصادقين بما صدر عنهم من الأقوال والوفاء قولاً وفعلاً ويعذب المنافقين بما صدر عنهم من الأعمال والأقوال المحكية، قيل‏:‏ ولم يقل في جانب المنافقين بنفاقهم لقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏شَاء أَوْ يَتُوبَ‏}‏ الخ فإنه يستدعي فعلاً خاصاً بهم فتأمل، والظاهر أن اللام في ‏{‏لِيَجْزِىَ‏}‏ للتعليل، والكلام عند كثير تعليل للمنطوق من نفى التبديل عن الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه والمعرض به من إثبات التعريض لمن سواهم من المنافقين فإن الكلام على ما سمعت في قوة وما بدلوا تبديلاً كما بدل المنافقون فقوله‏:‏ ‏{‏لِيَجْزِىَ وَيُعَذّبَ‏}‏ متعلق بالمنفى والمثبت على اللف والنشر التقديري، وجعل تبديل المنافقين علة للتعذيب مبني على تشبيه المنافقين بالقاصدين عاقبة السوء على نهج الاستعارة المكنية والقرينة إثبات معنى التعليل، وقيل‏:‏ إن اللام للعلة حقيقة بالنظر إلى المنطوق ومجازاً بالنظر إلى المعرض به ويكون من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز وقد جوزه من جوزه‏.‏

وقيل‏:‏ لا يبعد جعل ‏{‏لِيَجْزِىَ‏}‏ الخ تعليلاً للمنطوق المقيد بالعرض به فكأنه قيل‏:‏ ما بدلوا كغيرهم ليجزيهم بصدقهم ويعذب غيرهم إن لم يتب، وأنه يظهر بحسن صنيعهم قبح غيره، وبضدها تتبين الأشياء، وقيل‏:‏ تعليل لصدقوا وحكى ذلك عن الزجاج، وقيل‏:‏ لما يفهم من قوله تعالى‏:‏

‏{‏وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيماً‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 22‏]‏ وقيل‏:‏ لما يستفاد من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الاحزاب‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 22‏]‏ كأنه قيل‏:‏ ابتلاهم الله تعالى برؤية ذلك الخطب ليجزي الآية، واختاره الطيبي قائلاً‏:‏ إنه طريق أسهل مأخذاً وأبعد عن التعسف وأقرب إلى المقصود من جعله تعليلاً للمنطوق والمعرض به‏.‏ واختار شيخ الإسلام كونه متعلقاً بمحذوف والكلام مستأنف مسوق بطريق الفذلكة لبيان ما هو داع إلى وقوع ما حكى من الأقوال والأفعال على التفصيل وغاية كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لِّيَسْأَلَ الصادقين عَن صِدْقِهِمْ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 8‏]‏ كأنه قيل‏:‏ وقع جميع ما وقع ليجزي الله الخ، وهو عندي حسن وإن كان فيه حذف فتأمل ذاك والله تعالى يتولى هداك ‏{‏إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً‏}‏ أي لمن تاب، وهذا اعتراض فيه بعث إلى التوبة‏.‏